09 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

كوب الصحة "كوب الماء" لشدّ ما اختلف الناسُ فيه!

الماء ومَا أدراكَ مَا الماء! كبرنا على عيون ماءٍ وهي اندثرت الآن. شربنا الماء صفوًا تارةً وعكرًا تارة أخرى حتى وصلنا الآن إلى ماء معبأ في قوارير من البلاستيك.

هذا ينصحك خذ كذا قارورة في اليوم لكي لا تصاب بمرض خطير. اشرب حتى ولو لم تشعر بالعطش لأنك حين تكبر يضعف إحساسك بالعطش فلا تدري أنت عطشان أم لا! آخر يقول: لا عليك، اشرب الماء متى ما عطشت فقط!

أما واقع حياة ما بعد الشباب فله حكمٌ آخر في الماء. استيقاظاتٌ ليلية بعدد قارورات الماء النهارية وأحيانًا تزيد! في سنوات الصبا نعب الماءَ عبًّا ولا نستيقظ مرة واحدة ثم إذا انتهى عصر الشباب صار الماء مشروب الضرورة، لا ماء ولا قهوة ولا كوب شاي بعد السادسة مساء! يذكرني الاختلاف في كوب الماء بطرفَتين من طرف النحاة.

الأولى: عطش أحد النحويين فأحضرت له ابنته الماء وقالت: لقد أتيتك بالجرةَ فقال لها: اكسرى الجرة فرمتها فتكسرت.

الثانية: سار أحد النحاة مع ابنه في يومٍ صائف. بعد شيء من المسير عطش الصبي فقال لأبيه النحوي: يا أبت عطشتَ بفتح التاء. أجاب النحوي: لا لم أعطش. كرر الصبيّ الجملة وكرر الأب الجواب حتى مات الابن الذي كان عليه أن يضم التاءَ بدلًا من أن يفتحها فيقول: عطشتُ. قال الوالد المكلوم: بنيّ عشتَ ومتَّ ما عرفتَ عطشتُ من عطشتَ!

صار علم الطبّ من أشدّ العلوم اختلافًا وإذا اختلط الطب بالتجارة، أو البحث التجاري الموجه، فلا بد أن تختلف النتائج. كوب الصحة، كوب الماء، يشربه كل إنسان ويحتاجه كل ذي روح، من المفترض أن يكون من أدواة توحيد العلم والبشر.

قارورة الماء عليها أرقام وأسماء عناصر لا يعرفها إلا كيميائي متبحر؛ بيكربونات، كلورايد، فلورايد، نترات، عناصر ونسب مكتوبة بخطوط صغيرة لا تراها إلا عيون شابة. أظن أن أغلبنا لا يهمه سوى شكل القارورة، أو سعر كرتون الماء!

عندما تجتمع العائلة، أو يزورنا الأطفال، تبقى القوارير النصف مستهلكة شواهد على الاستخفاف بالماء. رحم الله زمانًا كنا نشرب فيه الماء من جرة مصنوعة من طين الأرض مبردة على رطوبة الطقس في بيت سقفه من جريد وجذوع النخل. الآن عندما يأتينا الزائرون، أو نزور أحدًا، كوب الحياة صار قارورة من البلاستيك. 

الاختلاف "في" الماء أم "على" الماء؟

عندما يكبر كوب الماء ويصير نهرًا يصبح من أعظم أسباب الحروب في الدنيا. ما على الإنسان إلا تتبع وقائع الماضي والحاضر والمستقبل ليعرف دور الماء في صراع الإنسان. الكلّ يريده خالصًا له دون سواه!

هذا الذي قاله الشاعر عمرو بن كلثوم في العصر الجاهلي فهل عرف أن الصراع سيدوم ما دامَ الماء؟

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً .. وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَا


error: المحتوي محمي